الدعاية الانتخابية La propagande
الديمقراطية هي المشاركة الواعية والمسؤولة لجميع أفراد المجتمع في بناء وتنمية وتغيير مجتمعهم نحو الأفضل بما في ذلك المشاركة السياسية، وعدم العزوف عن الانتخابات التي هي ذروة الديمقراطية وليست بدايتاً لها ولا نهايتها، لأنها لا تسبق الديمقراطية, ولا تنتج لا الحريات ولا الحقوق، كما أثبتت ذلك الدراسات الكثيرة والاهتمامات المتعددة والتجارب المعاصرة للدول الديمقراطية.
لكن مفهوم الديمقراطية، والحديث عن الانتخابات الحرة النزيهة في البلاد العربية عامة والمغرب خاصة، مازال إلى اليوم يفتقد إلى معايير محددة، خاصة وأن المتطلعين إلى السلطة عبر الانتخابات يعملون في الأغلب على قدم وساق لابتكار أساليب جديدة متنوعة ومتجددة، وابتداع أساليب متطورة للتلاعب بالعمليات الانتخابية، يركزون فيها على استعمال المال لتدجين المواطنين وترويضهم للقبول بالفساد من خلال بيع ذممهم لقاء مبالغ مالية أو لقاء وليمة أو بعض الهداية العينية مثل المواد الغذائية وغيرها، وهو من اخطر أشكال الفساد وطرق التزوير الانتخابي الذي يمكن القول أنه أسلوب معتمد خاصة لدى دول العالم الثالث وتحديدا الدول العربية، وذلك راجع إلى انعدام الوعي الديمقراطي وغياب الرقابة القضائية المستقلة بها.
ربما يقول قائل أن التزوير الانتخابي هو أسلوب عالمي، وأن المظاهر المعبرة عن الفساد السياسي من خلال الرشوة وتلقي التمويلات المشبوهة لا تقتصر على الدول العربية بل هي موجودة أيضا في الدول الغربية ذات الأنظمة الديمقراطية العريقة، وللمقارنة فقط، أنبه إلى أن الفرق بين العالم العربي وبين الغرب، يكمن في الرقابة والمحاسبة على مثل هذه الممارسات، ولاشك أن الكل يذكر تهمة الرشوة التي وجهت لساركوزي أثناء تحضيره لانتخابات سنة ألفين وسبعة حين اتهم بتلقي أموال انتخابية من المليارديرة الشهيرة(ليليان بيتانكور)الفرنسية الأصل، ونذكر جيداً تحرك القضاء الفرنسي للتحقيق في تلك التهمة، لأن انتهاك حرمة الانتخابات النزيهة عندهم، هو انتهاك للعملية الديمقراطية برمتها، وأن الانتخابات الديمقراطية التنافسية لا تجري إلا في كنف الحكم الديمقراطي، لأنها ليست هدفا في حد ذاتها، ولذلك فان على الجماهير أن تعي بما هي مقدمة عليه، وما يجب أن تحصل عليه من حقوقها الديمقراطية قبل الخوض في معترك الانتخابات، وألا تنخدع بالدعايات الانتخابية المبالغ فيها، والإشهارات السياسي المموهة غير الصادقة، التي تتحول في غالبية أحوالها، إلى مسرحيات "بايخة" تعاد في كل دورة انتخابية، ويؤدي أدوارها ممثلون من الدرجة الثالثة، عديمي الخبرة والمعرفة بالمسرح وقواعده، ويُعتمد فيها على نفس الأفكار والسلوكات البالية التي تتبناها جل الأحزاب -سواء العريقة و التاريخية منها أو الجديدة التي لا زالت تبحث لها عن موطأ قدم داخل الساحة السياسية والحزبية- التي تملأ الركح السياسي لأزيد من خمسة عقود من التجربة الانتخابية القديمة، التي لم تعد تفيد في شيء، والتي ليس لوجودها في مشهدنا السياسي من مبرر حقيقي وواقعي ومشروع، اللهم، ما يمكن أن يفهم منه، أنه راجع لفقر مدقع في الثقافة السياسية لدى المرشحين وأحزابهم وعدم إدراكهم للتبدلات الجارية في العالم، والتحوّلات العميقة في مفاهيم عملية الانتخابات.. أو أنه راجع لاستخفافهم بمستقبل الوطن، واحتقارهم المواطنين واعتبارهم رعايا وقطيعاً من الكلاب يجب تجويعها لتتبعهم كما في ثقافة الكثيرين منهم والذين يؤمنون بمضمون المثل الدارج: "جوعها تتبعك!" والذي نخشى -رغم هبوب رياح الربيع العربي الذي تأثرنا به كبقية الدول العربية لكن شكلا وليس مضمونا- استمرار مظاهره الفلكلورية المتخلفة التي تقوم الأحزاب المتصارعة على السلطة، والتي تحتل الانتخابات، محلية كانت أو برلمانية، المجال الأكبر من اهتمامها، بإخراج فصول حملاتها الانتخابية، لكسب الكثير من المصوتين، وذلك في تسابق محموم بين المترشحين، نحو زيارة الناخبين في أحيائهم السكنية التي لم يسبق لأغلبيتهم أن عرفوها أو تعرفوا على أحوال ساكنيها، قبل هذه اللحظة الحاسمة، التي يُحيون فيها طقوس لقاءات "الجذبة والتحييرة والحضرة"، وما فيها من تقبيل وعناق للمواطنين الذين كان، وإلى الأمس القريب، يُِؤنف حتى من النظر إلي وجوههم الشاحبة، قبل أن تضطرهم الرغبة العارمة لولوج قبة البرلمان، والتمتع بسلطه الواسعة، وامتيازاته اللامحدودة، رافعين رايات وأعلام وبيارق الاستسلام والتسليم لهذه الفئات بكل أطيافها ومختلف ألوانها، الشمكارة والهداوة والمجدوبين وكل من لفّ لفّهم، مرددين بين أيديهم كلاما مكروار، بنفس النغمة، وبنفس الألفاظ، وبنفس المضمون، ونفس الشعارات المملة الموزعة بين خطاب ديني صحراوي ظلامي غليظ القلب، وخطاب يساري وليبرالي استعلائي تافه مرتعش طامع، وذلك للترويج لقوائمهم الانتخابية، ورسم صور وردية لذواتهم وأحزابهم، وإيهام الناخبين بالمستقبل الزاهر لكل من يمنحهم صوته من المواطنين الذين يعدونهم بالخير العميم معهم، إن هم فازوا مرة ثانية، ولما لا ثالثة، لأن المرة الثالثة ثابتة في المخيال المغربي، كما في المثل الشعبي الدارج "الثالثة فالتة"، أي أنها المرة التي سيُهتم فيها بأمور الناخبين، ويُتفرغ فيها لمشاكلهم، بعد أن أشبع النائب البرلماني كل رغباته، وحقق كل طموحاته وأهله وأقربائه، أما ما سبق من الدورات، فإنهم يعتذرون على ما فات خلالها، بالأوضاع الأمنية وفساد المؤسسات الحكومية والطائفية والأجندات الخارجية.
ـ ولما كانت الدعاية الانتخابية بكل أنواعها، هي حق من حقوق المنتخبين المشروعة، تمكنهم من الوصول للمصوتين لاقناعهم بصحة ومبررات ترشحهم، فإنه من كامل حقهم الإنفاق عليها، بل من الضروري صرف المال الكافي لإنجاحها لما تتطلبه من إمكانيات مادية و
























